حيدر حب الله
256
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ولعلّ بإمكان الأخباري أن يناقش - للانتصار لخصوص يقينية الصدور - بمسألة تواتر القرآن الكريم ، حيث ذكروا هناك أنّ تواتره يراد منه تواتر جسم الآية ، بغض النظر عن نقاطها وتشكيلها وما شابه ذلك « 1 » ، إذ ربما تخفّف هذه الإجابة من حجم الصورة التي يقدّمها الأصولي ، إذا كانت تنفع في النص القرآني نفسه . سادسا : لو كان مثل الطوسي جازما بأمر رواياته لما اختلفت فتاواه هو نفسه أخذا بهذه الرواية تارة ، وبتلك أخرى ، فهذا معناه أنّه يريد بالصحّة الرجحان لا اليقين والثبوت الواقعي « 2 » ، ومن هنا لا معنى لليقين في الروايات جميعها بعد اختلافها هي نفسها ، سيما وأننا نعلم أن مصنّفي الكتب الأربعة كان هدفهم جمع ما أحسنوا الظنّ به ؛ خوفا من اندراس الحديث ، موكلين أمر التحقيق فيه إلى النقّاد والباحثين « 3 » . وهذا الكلام الذي يذكره السيد نور الدين العاملي ( 1068 ه ) في نقده على الفوائد المدنية ، لا يبدو - بهذه الصيغة - موفّقا ، فإن تغيّر الآراء - إذا لم يكن لتغيّر فهم معنى الحديث مما لا يضرّ باليقين بصدوره ، كما هو الحال مع النص القرآني - فقد يقع من باب الترجيح ، وهذا معناه اليقين بصدور روايتين مختلفتين ، غاية ما في الأمر ، أنّ واحدة منهما ربما جاءت على نحو التقية فأخذ بها الطوسي غير ملتفت ، ثم انتبه إلى ضرورة ترجيح الأخرى ، وهذا ترجيح لا يقع بلحاظ السند ، بل بلحاظ ما يسمّى في علم أصول الفقه : جهة صدور النص وأنه على نحو التقية أو ما شابه ، نعم ربما كانت بعض المصاديق لا تتحمّل هذا التبرير ، لكنه كان من المفترض بيانها ، وأمّا سوق الكلام مساقا عاما فلا يعطي للأخباري نتيجة . وأمّا الحديث عن أنّ أصحاب الكتب الأربعة كان همّهم جمع الحديث خوفا من اندراسه ، فهذا الكلام نقبله في الإطار العام للمحدّثين والمصنّفين ذلك العصر ، بل ونعزّزه بأن الصدوق نفسه في مقدّمة الفقيه - كما مرّ - ينصّ على أنّه لا يقصد في كتابه هذا قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه ، وهذا معناه أنّ الحالة المتعارفة في ذلك العصر كانت جمع كل ما وصل للمحدّث وتدوينه في كتاب له كما يذكر السيد محسن الأعرجي « 4 » ، وهذا ما تؤكّده نصوص السيّد المرتضى المتقدّمة سابقا عند حديثه عن المشتغلين بالحديث
--> ( 1 ) - أبو القاسم الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 156 - 157 . ( 2 ) - نور الدين الموسوي العاملي ، الشواهد المكيّة : 376 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 113 ، 124 ، 131 - 132 . ( 4 ) - محسن الأعرجي ، وسائل الشيعة في أحكام الشريعة : 9 ؛ وله أيضا ، شرح مقدّمة الحدائق ، الورقة رقم : 7 ؛ ويذكر الأعرجي استفهاما : لما ذا لم يستثن الصدوق من هذا التعميم الذي ذكره كتاب الكافي ؟ !